الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بقلم الدكتور أحمد المناعي: فلسطين في ذاكرة طفل في السادسة من عمره... يوم "أخذ اليهود فلسطين"

نشر في  19 ماي 2021  (23:25)

بقلم رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية، الدكتور أحمد المناعي
 
في مثل هذه الأيام من شهر ماي سنة 1948 كنت طفلا في السادسة من عمري و في السنة الأولى في الكتاب عند سيدي المؤدب قوقو في سيدي ابراهيم بالوردانين. كنا قد تحولنا للسكن في دار جدي المرحوم محمد صالح فرحات كي يتسنى لوالدتي رحمها الله الاعتناء بوالدها و هو على فراش الموت.
 
ذات يوم جاءت صفية زوجة خالي عبد الله رحمهما الله لزيارة الجد. كانت المرة الأولى التى أراها وبدت لي أنها من عالم اخر. حديثها كان غريبا و لباسها كان أغرب. كانت عارية الرأس وتخرج سافرة ولا أحد يشعر بالحرج.وسألت أمي كيف يمكنها ذلك فقالت لي انها بنت المدينة.
كنا جالسين على الحصير نستمع لحديث الخالة صفية بنت المدينة و هي على ما كانت عليه من المعرفة و الثقافة و الإطلاع و في لحظة ما قالت أن "اليهود قد أخذوا فلسطين".
 
لم أكن أعرف ما اليهود و ما فلسطين فلم يكن عندنا يهود في الوردانين. و لكني تلقفت المعلومة و أسكنتها في أحد أركان ذاكرتي وظلت خامدة الى أن جاءت لحظة انتعاشها.
بدأت أسمع بفلسطين والفلسطينيين أيام الأعتداء الثلاثي على مصر سنة 1956. لكن الى ذلك الحد لم تكن فلسطين تمثل شيئا يذكر بالنسبة لي ولا حتى بالنسبة للكبار من حولي. كان الأعلام بدائيا
 
...الراديو لمن تيسر له والصحافة لمن يقرأها وهم قلة ولم أكن من بينهم.
الحقيقة أن خمسينات القرن الماضي كانت سنوات التحرير الوطني في تونس والمغرب أولا ثم في الجزائر.لم تكن القضية الفلسطينية حاضرة في المشهد السياسي وكانت مأساة الفلسطينيين ونكبتهم وخسارة وطنهم وديارهم اخرقضايا التونسيين أوعلى الأقل أبناء جيلي.
 
في الجزائر:
 
في شهر جانفي 1965 كنت في عاصمة الجزائرحيث علمت بميلاد حركة حركة التحرير الفلسطينية" فتح "و بعد أسبوع من الإعلان نظمت جبهة التحرير الوطني الجزائرية مظاهرة ليلية مساندة للمقاومة الفلسطينية. ولأول مرة في حياتي أشارك في مظاهرة بذلك الحجم قال لي صديقي ودليلي في الجزائر رشيد بن عيسى أنها بحجم المظاهرة التي عرفتها العاصمة الجزارية يوم الأعلان عن الأستقلال تحت شعار" باب الواد اداه الواد".
 
منذ ذلك التاريخ وفلسطين بوصلتي وهي في قلبي وفي قلب زوجتى وأبنائنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا المنتشرين بين أوروبا والكندا دونما دعاية سياسية أو توجيه فكري... هو حب بالفطرة كحب الأم وكحب الأرض وكحب القيم الأنسانية...
 
ابني الطاهر المناعي في مشروع صعوده لقمة الأيفرست كان ينوي تركيز العلمين التونسي والفلسطيني على هذه القمة غير أن شابا فلسطينيا كان يهيئ نفسه لهذا المشروع طلب منه أن لا يحرمه من تحقيق حلمه وحلم الفلسطينيين بأن يكون صاحب هذا الشرف شاب فلسطيني.
 
وما ميز القضية الفلسطينية عن كل قضايا الأستعمار في العالم أنها تحولت في أقل من قرن الى قضية انسانية يجتمع حولها الناس من كل الأعراق ومن مختلف التوجهات السياسية والفكرية والدينية وما كان ذلك ليتم لولا قوة ارادة شعب الجبارين و قدرته على استنباط أشكال المقاومة المواتية لكل مرحلة تاريخية.
 
تحية لشعب فلسطين العظيم قائد المقاومة الأنسانية ضد الظلم والقهر والعنجهية.